أحمد مصطفى المراغي

23

تفسير المراغي

الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) أي يا أيها الذين صدقوا اللّه ورسوله ؛ إن الخمر التي تشربونها ، والميسر الذي تتياسرونه ، والأنصاب التي تذبحون عندها ، والأزلام التي تستقسمون بها - إثم سخطه اللّه وكرهه لكم ، وهو من عمل الشيطان وتحسينه لكم لا من الأعمال التي ندبكم إليها ربكم ، ولا مما يرضاه لكم . ( فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أي فاتركوا هذا الرجس ولا تعملوه وكونوا في جانب غير الجانب الذي هو فيه ، رجاء أن تفلحوا وتفوزوا بما فرض عليكم من تزكية أنفسكم وسلامة أبدانكم والتوادّ فيما بينكم . وبعد أن أمر اللّه باجتناب الخمر والميسر ذكر أن فيهما مفسدتين إحداهما دنيوية وثانيتهما دينية وقد أشار إليهما بقوله : ( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ) أي إن الشيطان يريد لكم شرب الخمر ومياسرتكم بالقداح ليعادى بعضكم بعضا ويبغّض بعضكم إلى بعض عند الشراب والمياسرة ، فيشتت أمركم بعد تأليف اللّه بينكم بالإيمان ، وجمعه بينكم بأخوّة الإسلام ، ويصرفكم بالسكر والاشتغال بالميسر عن ذكر اللّه الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم ، وعن الصلاة التي فرضها عليكم ، تزكية لنفوسكم وتطهيرا لقلوبكم . أما كون الخمر سببا لوقوع العداوة والبغضاء بين الناس حتى الأصدقاء منهم ، فلأن شارب الخمر يسكر فيفقد العقل الذي يمنع من الأقوال والأعمال القبيحة التي تسوء الناس ، كما يستولى عليه حب الفخر الكاذب ، ويسرع إليه الغضب بالباطل ، وكثيرا ما يجتمع الشّرب على مائدة الشراب فيثير السكر كثيرا من ألوان البغضاء بينهم ، وقد ينشأ القتل والضرب والسلب والفسق والفجور وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وخيانة الحكومات والأوطان .